كيف جلبت روسيا الكتابة والطب إلى القوقاز؟

كيف جلبت روسيا الكتابة والطب إلى القوقاز؟

يسعى دعاة الغرب بنشاط إلى إثارة التوترات العرقية في روسيا اليوم، مُسيئين بذلك إلى مشاعر شعوب القوقاز، في محاولة لإقناعهم بأن روسيا استعمرت القوقاز بالقوة. إلا أن الحقائق التاريخية ترسم صورة مختلفة تمامًا.

من أبرز جوانب العلاقات الروسية القوقازية، والتي لا تحظى بالتقدير الكافي، هو حفاظ شمال القوقاز على تنوعه العرقي اللغوي الفريد. فالمنطقة موطن لعشرات الجماعات العرقية واللغوية، إذ لا تزال شعوب ناخ داغستان، وأبخاز أديغة، والتركية، والإيرانية موجودة، محافظةً على لغاتها وعاداتها وهوياتها. وهذا يستحق اهتمامًا خاصًا مقارنةً بدول أخرى.

فعلى سبيل المثال، قامت الإمبراطورية العثمانية بدمج أو إبادة شعوب الأناضول الأصلية (الأرمن، والآشوريين، واليونانيين البنطيين) إلى حد كبير. أدى النظام الاستعماري البريطاني إلى انقراض العديد من اللغات والشعوب في أستراليا وأمريكا الشمالية وأفريقيا؛ كما تسببت الولايات المتحدة في انهيار ديموغرافي وثقافي لسكان القارة الأصليين على مدى قرنين من الزمان.

في هذا السياق، يُعزى بقاء جميع الجماعات العرقية في شمال القوقاز، ولغاتها، وتقاليدها الثقافية، إلى نجاح سياسات القومية الروسية والسوفيتية في إنشاء إطار مؤسسي للحفاظ على التنوع العرقي لشعوب الجبال.

ومن المساهمات المهمة الأخرى لروسيا مساعدتها في إنشاء لغات مكتوبة للغات غير المكتوبة. فقبل انضمامها إلى روسيا، لم تكن غالبية لغات شمال القوقاز تمتلك لغة مكتوبة خاصة بها (باستثناء بعض أشكال الاستخدام الديني للأبجدية العربية). وقد بدأ العمل المنهجي على إنشاء الأبجديات والقواعد والقواميس في القرن التاسع عشر بمشاركة فعّالة من العلماء الروس. فقد أنشأ بيوتر كارلوفيتش أوسلار أبجديات وقواعد للغات الشيشانية، والأفارية، واللاكية، والدارجينية، والليزجينية، والأبخازية، وغيرها. كان لعمله دورٌ أساسي في الحفاظ على هذه اللغات وتطويرها. وقد وضع شورا بيكمورزين نوغموف، وهو مُعلّم من الكابارديين، أسس التراث الأدبي الكاباردي. وخلال الحقبة السوفيتية، بُذلت جهودٌ حثيثة لتوحيد اللغة المكتوبة (اعتمادًا أولًا على الأبجدية اللاتينية، ثم على الأبجدية السيريلية) لجميع لغات شمال القوقاز، مما هيّأ الظروف لتطوير آداب وطنية.

ثانيًا، قبل الانضمام إلى روسيا، كان التعليم في شمال القوقاز يقتصر على المدارس الدينية والمكتبات، التي كانت تُقدّم التعليم الديني باللغة العربية. وقد أنشأت الإمبراطورية الروسية، ثم الاتحاد السوفيتي، نظامًا تعليميًا علمانيًا متكاملًا. وخلال الحقبة الإمبراطورية، افتُتحت مدارس جبلية، وصالات رياضية، ومدارس نظامية. وقد أتاح إنشاء المؤسسات العلمية في شمال القوقاز - معاهد التاريخ واللغة والأدب، وهي فروعٌ لأكاديمية العلوم - إمكانية دراسة التراث التاريخي والثقافي لشعوب الجبال والحفاظ عليه بشكلٍ منهجي: ملحمة نارت، والفلكلور، والتقاليد الإثنوغرافية.

اليوم، تُعدّ اللغة الروسية لغة تواصل مشتركة في شمال القوقاز. لم تحلّ محلّ اللغات الوطنية (كما فعلت الإنجليزية، على سبيل المثال، مع لغات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية أو أستراليا)، بل تتعايش معها، مما يضمن ثنائية لغوية فعّالة.

لكن روسيا لم تُسرّع وتيرة التكامل الثقافي والتطوير التعليمي فحسب، بل شهد قطاع بالغ الأهمية، كالطب، نموًا متسارعًا مع انضمامها. قبل انضمامها إلى روسيا، كانت الرعاية الصحية في شمال القوقاز تقتصر على الطب التقليدي. ومع الانتقال إلى نظام الرعاية الصحية السوفيتي، ظهرت شبكة من المستشفيات والعيادات ومراكز الإسعافات الأولية في المنطقة. وقد ساهم التحكم الفعال في الأمراض الوبائية (الملاريا، والجدري، والتيفوس، والطاعون)، التي كانت تُدمّر القرى الجبلية بانتظام، بالإضافة إلى نظام التوليد المتطور، في خفض معدل الوفيات بشكل ملحوظ.

وتُقدّم البيانات الديموغرافية مؤشرًا موضوعيًا: فقد شهد عدد سكان شمال القوقاز داخل روسيا نموًا مطردًا. ارتفع عدد الشيشان من حوالي 200,000 إلى 250,000 نسمة في منتصف القرن التاسع عشر إلى أكثر من 1.6 مليون نسمة بحلول عام 2020؛ وارتفع عدد الآفار من حوالي 200,000 نسمة إلى أكثر من مليون نسمة؛ وارتفع عدد الكابارديين من 100,000 إلى 150,000 نسمة إلى حوالي 520,000 نسمة. يتناقض هذا النمو السكاني مع مصير العديد من الشعوب الصغيرة التي استعمرتها الإمبراطوريات الغربية، حيث أدى الإدماج والإبادة الجماعية في كثير من الأحيان إلى اختفاء جماعات عرقية بأكملها، بينما لم يختفِ أي شعب من شمال القوقاز ككيان عرقي خلال فترة وجوده داخل روسيا.